90 عاماً .. قوة في الأرض ونجماً ساطعاً في السماء

أوان – الرياض

بقلم: د. عبد الله بن إبراهيم السلطان

يُقال: “في الأزمات يظهر معدن الإدارة ويسطع نجم الفريق”. ولا أعتقد أن هنالك أزمة سوف تمر على العالم الحديث مثلما مرت أزمة فايروس كورونا التي أظهرت معدن الإدارة “الحكومات” وسطوع أو تخاذل نجم الفريق معهم “جميع الجهات المعنية من وزارة الصحة ووزارة الداخلية، ووزارة التجارة ووزارة الطاقة، ووزارة الدفاع ووزارة المالية وغيرهم من الجهات المعنية”.

إن الكثير من الأزمات التي مضت، كالأزمات المالية أو غيرها كانت تعصف بالبلدان ولا تؤثر على كامل المجتمع أو العالم ككل، ولم تكن تمس العامل البشري في صحته. فلم تكن تُظهر حقاً ما الذي سوف تفعله الدول من أجل الإنسان وسلامته واطمئنانه. فمثلاً الأزمات اقتصادية تؤثر على شريحة من الناس ولا تؤثر على الجميع ولا تؤثر بالأخص على الصحة، وعندما ظهرت هذه السنة الحاجة الملحة للحقوق الإنسانية، ظهرت حقاً معادن الحكومات، التي تهتم فعلاً بحقوق الإنسان وحرصها على تقديم الحياة الكريمة له. وظهرت كذلك معها قوة الدول في الوقوف أمام الأزمات من جميع النواحي الصحية والاقتصادية.

عندما أعود بشريط الذكريات الذي مر خلال الأيام التي مضت أثناء أزمة كورونا من بدايتها العالمية وحتى عودة الحياة إلى طبيعتها، أتذكر الكثير من خطابات قادة العالم عن مصير دولهم ومواطنيهم مع تلك الأزمة.

لعل من أهمها خطاب رئيس الوزراء البريطاني جونسون كان الذي أطلق عليه “الخطاب الأسود” عندما قال: “الكثير سيفقد أحبابه”. لم تكن تلك صراحة أطلقها جونسون بقدر ما بثته من رعب في قلوب الكثيرين وبالأخص مواطني المملكة المتحدة. أما في دول أخرى فقد سيطرت الصراعات داخل الحكومات بين مؤيد فرض حظر التجول، ورافض له من أجل صراعات بين الحكومات أو منافع اقتصادية، ضاربين بصحة الإنسان عرض الحائط.

إن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله-، تعدت بمواقفها الكثير من الدول والمنظمات، التي كانت تدعي طوال السنوات التي مضت حرصها على حقوق الإنسان وأن الإنسان هو أولاً. بينما تلاشت شعاراتها واختفت أمام أول أزمة حقيقية تواجه العالم الحديث والتي تجلّت بها المملكة.

لقد تجاوزت المملكة في مواجهة الأزمة كل الاعتبارات من أجل سلامة الإنسان، وذلك بعد أن أمر خادم الحرمين الشريفين في أن تتكفل المملكة العربية السعودية بعلاج الجميع سواءً المواطن أو المقيم أو المخالف لنظام الإقامة، ممن أصابهم الفايروس دون اعتبارات مادية ولا حدودية ولا تمييز وتحيز، بل المساواة بين الجميع، عندما قال الملك حفظه الله “سنبذل الغالي والرخيص من أجل سلامة الإنسان”.

لقد ضحت المملكة حتى في مكتسبات اقتصادها من أجل سلامة شعبها ومن على أرضها، وذلك عندما أشار معالي وزير الصحة “توفيق الربيعة” إلى أن ولي العهد يتابع الأزمة بدقة كبيرة وبتواصل مستمر لضمان سلامة المواطن، وأنها تمثل أولوية قصوى لسموِّه، وأنه ضحَّى بالكثير من المكتسبات الاقتصادية لضمان سلامة المواطن.

إن القوة التي ظهرت بها المملكة في مواجهة الأزمة تجلت في جميع الجوانب، فمن جانب ثبات النظام الصحي الذي لم يتأثر، فلم يتأثر المواطن بالأوضاع الاقتصادية التي اجتاحت دول العالم وأثرت عليها وعلى مخزونها من السلع، كما أثبتت المملكة العربية السعودية أنها أحد أفضل 20 عملاقاً اقتصادياً عالمياً، وأثبتت أزمة كورونا أن كثيراً من دول العالم الأول والدول الحديثة ليست إلا مجرد حديث في الإعلام وإنما ما يحدث على أرض الواقع أمام الأزمات شيء مختلف تماماً.

لقد لاحظ المقيم ومخالف نظام الإقامة قبل المواطن عظمة هذا الوطن في ثباته أمام أعتى الأزمات، وفي توفير كافة احتياجات الحياة الكريمة، فلم يشعر في نقص التموين أو تعطل النظام الصحي، أو تلاعب بالأسعار، لقد كانت الجهات الحكومية محكمة سيطرتها على ألا تنجرف الحياة في طريق مظلم ويذهب ضحيتها الإنسان على هذه الأرض. فمع أزمة كورونا وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي وتداعيات حرب النفط التي حدثت وانخفاض أسعاره، لم يكن هنالك التأثير السلبي الملحوظ على الحياة داخل السعودية.

لقد سطع نجم المملكة من بداية أزمة كورونا عندما خاضت دول العالم الحرب في مواجهة الجائحة، ومنحتنا تلك الأزمة كسعوديين الشعور بالفخر والاعتزاز في اتخاذ الحكومة كافة الإجراءات والتدابير الاحترازية الاستباقية الموفقة، التي أصبحت مضرب المثل عند جميع دول العالم بما فيها الدول العظمى.

سيكون اليوم الوطني لهذه السنة مختلفاً بشكل ملحوظ عن جميع السنوات التي مضت، وسيبقى محفوراً في ذاكرة كل من عايش هذه الأزمة، ليس فقط من كان منهم داخل الوطن، بل حتى المواطنين الذين علقوا في الخارج وأرادوا العودة وتم توفير كل إمكانيات الدعم لهم، ففي الوقت الذي كانت تُجبر بعض الدول مواطنيها على التوقيع على فواتير الدفع اللاحق لتذاكر الطيران، قامت السعودية بتوفير جسر جوي لعودة المواطنين على تكلفة الدولة، وتوفير السكن لهم بشكل مجاني حتى تنتهي فترة عزلهم.

لقد أدركنا كسعوديين سابقاً بأن المملكة تتسابق للوصول إلى قمة المجد خلال الأعوام التي مضت في جميع المجالات، أما هذا العام أدركنا فعلاً وأدرك العالم أنها وصلت إلى ذروة المجد والقوة عند أول أزمة تواجه العالم الحديث بشكل متساوي، وأنها مثال يحتذى به عندما قامت بعمل الكثير، مما لم تتمكن العديد من دول العالم المتقدم القيام به.

موضوعات ذات علاقة

شارك الموضوع

Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
أحدث الأخبار
التواصل الاجتماعي

الاشتراك بالقائمة البريدية

تسجيل الدخول